السيد عباس علي الموسوي
14
شرح نهج البلاغة
بالأموات وعددهم تحقيرا لهم وبيّن علة ذلك بأنهم يطلبون أمرا غير عقلائي حيث إنهم يريدون أن يردوا إليهم أجسادهم التي كانت في دار الدنيا وقد أكلها البلى والدود والفنا وتلك الحركات والتحركات التي كانت لهم في دار الدنيا يريدون أن يردوها لهم وهذا أمر محال وطلب لا يقع في نظر العقلاء . . . وبعبارة أخرى : إنهم يطلبون إعادة الأموات وبعثهم من جديد بهذا التفاخر والتكاثر وهذا أمر لا يطلبه عاقل ولا ينشده سديد الرأي رشيد . . . ( ولأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا ولأن يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة ) هذا تأكيد لما تقدم وأن هؤلاء الأموات من الأسلاف أحق وأجدر أن يكونوا محل عبرة وعظة من أن يكونوا محل فخر واعتزاز لأن مقامهم وما هم فيه عظة وعبرة من حيث خمود حركتهم وسكون مقامهم وأنهم قد أضحوا بعد القوة والنشاط إلى خشب مسندة وكذلك لو اتخذ هؤلاء المفتخرون هؤلاء الأموات مصدر ذلة لهم يكون هو العقل والتدبر من أن يتخذوهم وسيلة عز ورفعة لأنهم لو نظروا إليهم في أجسادهم وقد فتتها التراب وأكلها الدود واستبد بها الزمن لخفضوا رؤوسهم ذلة للهّ وعظمة له ولم يتخذوهم أداة فخر ووسيلة عز وأنى لهم الفخر بهم وهم رمم بالية وأجساد فانية . . . ( لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة وضربوا منهم في غمرة جهالة ) فهؤلاء الأحياء لأمراض نفسية أصابتهم قد انعكست الصورة عندهم والحلق المريض يرى كل شيء مر وعلقم والعين المريضة قد تقلب الأمور فترى السواد بياضا وكذلك النفوس المريضة التي آمنت بموازين الباطل تحوّل الأموات إلى أدوات ووسائل للتفاخر والزينة وخاضوا في التفاخر بالأموات عن جهل مستحكم شديد قد أخذ عليهم مسالك التفكير السليم . . . ( ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية والربوع الخالية لقالت : ذهبوا في الأرض ضلالا وذهبتم في أعقابهم جهالا تطئون في هامهم وتستنبتون في أجسادهم وترتعون فيما لفظوا وتسكنون فيما خربوا وإنما الأيام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم ) لو وقف الإنسان العاقل في معاقل الأموات وتجول في ربوعهم وقبورهم وطلب منها أن تخبره عمن مضى وذهب . . . لو استفهم تلك المساكن عن أهلها ودورهم وأين صاروا وأين حلوا لأجابت حالا وإن لم تنطق مقالا وشاهد الحال أقوى من المقال . . . أجابتهم قد تبددت أجسادهم وتفرقت أشلاؤهم كفارا ضالين ثم جئتم بعدهم وعلى أثرهم جهالا لا تعرفون الحياة ولا تعرفون دوركم فيها وما خلقتم من أجله وقد ذكر من جهلهم وعدم التفاتهم أنهم يدوسون على رؤوس أولئك الأموات التي حولها الزمن إلى تراب تطئوه